كريم فريد: باسم صبري .. شمس هذا الزمان

كريم فريد: باسم صبري .. شمس هذا الزمان.

 كريم فريد: باسم صبري .. شمس هذا الزمان.

قبل ما يقرب من ألف عام، كان العالم مفعم بالصراعات الطائفية والنزاعات السياسية والصراعات اللا نهائية على السلطة, تملؤه أشلاء متناثرة وصبغت مياة الأنهار الصافية باللون الاحمر وضجر العالم من ضجيج صليل السيوف.

 

أجتاح المغول والتتار الدولة العباسية من الشرق والصليبيين من الشمال وشاع الفقر والجهل وزادت الفجوة بين الفقراء ورجال الدولة والأثرياء المتملقين للحاكم.

بين كل هذا، كان يحيا رجلا يحب الله ويطوف بلاده ناشرا للحب والعشق اللا منتهي لرب اسمه السلام.

 

منذ أربعين يوما, تناثرت الأسئلة في فضاء عالم يظنه البعض افتراضيا, أعقبها صدمة وكلمات متناقضة ورافضة, قبل أن يخيم الحزن على العقول ويبدأ سيل تغريدات الرثاء .. لأن العالم الحقيقي فقد نبيلا والعالم الأفتراضي سوف يحيه أبد الدهر…

 

أناسا كثيرة ستنظر بعد عشرون عاما إلى أنفسها اليوم وستتسائل في ندم ” كيف كنت ممتلئا بكل هذه الكراهية والبغض والحقد تجاه غيري من البشر” – باسم صبري

 

إن خلوت بنفسك وقرأت عن حياة شمس الدين التبريزي وراجعت سريعا كتابات باسم صبري وما كتب عنه في الأيام التالية لوفاته, صدقا لن تجد أي فرقا جوهريا بين الدرويش والعالم الصوفي التبريزي وبين صاحب رسالة الحب في مواجهة الجنون باسم صبري؛ سوى أن شمسا كان بلا أصدقاء ووطاف أرجاء الأرض باحثا عن صديق حتى ألتقى جلال الدين الرومي, ولكن باسما رحل والحزن يشع حول العالم من قلوب أصدقائه المتفرقين ..

 

كريم فريد: باسم صبري ... شمس هذا الزمان

سرادق عزاء افتراضي أقيم من القاهرة إلى نيويورك وبينهم كل عواصم العالم, بكل لغات العالم كان يرثى وقلوب الآلاف كانت تنتحب من أجله.. كانت وفاته كالحجر الثقيل حينما يقذف في مياة راكدة, يصنع مويجات تكبر تدريجيا حتى تصل لكل ضفاف البحيرة ..

هو الذي نعاه محمد البرادعي وعمرو موسى وجون كيري, نعاه الإخوان  وحضر تأبينه حمدين صباحي, وجمع الحزن على فراقه قلوب المتصارعين منذ زمن, لأنه كان صوتا للعقل والسلام في زمن الصراعات والاستقطاب.

باسم صبري, مدون وسياسي بدرجة إنسان, أكتسب شهرة كبيرة عبر مواقع التواصل الإجتماعي, وأكتسب أصدقاء كثر فيبقاع الأرض المختلفة نتيجة لكثرة سفرة وترحالة, فيقول عن نفسه فيأحدى مقالاته “ قابلت هندوسًا وبوذيين ومسيحيين ويهودًا ولا دينيين ومن لا يزالون يبحثون وغيرهم، وقابلت ذوي البشرة البيضاء والسمراء والصفراء والحمراء والبنية وبين البينين وما يصعب تصنيفها، ووجدتهم كلهم بشرًا مثلي، منهم من هو أفضل مني ومنهم من لا أريد أن أكون مثله، وصرنا أصدقاء وصرت كإنسان أكثر ثراء، وأدركت أن البشر شيء واحد، وأن التعايش ممكن، وأننا لابد أن نلفظ دعاة الكراهية بيننا”

 

أتفق الآلاف من اصدقائة المتفرقين فيدول العالم المختلفة على أنه خلال أعوامه الواحد والثلاثون في هذه الحياة لم ينطق لسانه يوما بعبارة تخوين أو تجريح لأي شخص..

 

قالت عنه الصحفية ديمة الخطيب فيمقال نشر عقب وفاته “ يصعب عليّ وصفك. أنت تجسد بالنسبة لي الإنسان. كثيراً ما حدثونا عن الإنسانية ومعنى الإنسانية وقيم الإنسانية. أنت تلك الإنسانية، ولعلك أحسن وجوه الإنسانية التي أتخيلها. أتحدى أي شخص أن يظهر يوماً ويقول إنك أسأت إليه أو ظلمته أو جرحته، ولا حتى بنظرة. أشك في أنك يمكن أن تكون قد تسببت في حياتك حتى في مقتل حشرة. أنت تحب الحياة وتحب كل ما فيها. أنت تحب الجمال وتراه حيث لا يراه الآخرون. أنت تنبش الجمال حتى في أبشع مشاهد الدنيا وأقسى لحظاتها.

 

وكأنه درويشا صوفيا, طاف البلاد وتحدث مع القاصي والداني عن الثورة, تحدث بـاثنتى عشرة لغة, كان سفيرا مختلفا, سفيرا للحب والثورة والحرية يعبر عن جيل من الشباب سار في جنازات اصدقائه أكثر مما أحتفل بأفراحهم.

 

كتب عن نفسه في عيد مولده الثلاثين مقالا تحول بعد وفاته إلى دستورا سيورثه المئات منأبناء هذاالجيل إلى أولادهم

  أدركت أن البشر شيء واحد، وأن التعايش ممكن، وأننا لابد أن نلفظ دعاة الكراهية بيننا، وأننا سنحقق بالقلم والكلمة أكثر وأسرع بالكثير مما سنحققه بالأسلحة والجعجعة، وأننا علينا أن نسمو فوق قادتنا وجماعاتنا وأحزابنا وحكوماتنا ومصالحهم.

 

وأضاف متحدثا عما تعلمه خلال حياته عن الحرية والإنسانية قائلا..

“أدركت أنه ليس من حق أحد البشر أن يتحكم في بشر مثله إلا فيما لا يؤذي غيره، وأننا أقوى بكثير من الظروف بأكثر مما تصورت. أدركت أنه ليس من حق أحد أن يُسكِت أحدًا أو أن يتحكم فيما يقرأ أو يعرف، فهو بشر مثله مثل غيره وليس أفضل من غيره لكي يتحكم فيه إن كانت الأدوار معكوسة.

 

وكتب عن الحرية ومفهومه لها وأنها لا تعنيفقط التحرر منالقيود والقوانين ولكنها أيضا التحرر منتوقعات الغير للفردواحكامهم عليه وما يفرضه المجتمع على الفرد وما يسعى الفرد لفرضه على المجتمع.

 

ويضيف أنه أدرك أنه لا يوجد إنسان واحد يجيد تحييد تحيزاته الإنسانية قبيل قيامه باتخاذ قرار أو تبني موقف، فكل إنسان لديه ما سيريحه بحياته ولن يختار بسهولة الحقيقة إن أبعدته عما يرتاح إلي.

 

———————————

 

ليلة الثلاثين من أبريل, غاب القمر عن السماء وسقط باسم صبري من شرفة منزلة مما أدى إلى وفاته, أحتجب القمر وكأنه لم يرغب في أن يكون شاهدا على رحيل الشهيد في نهاية دورته الشهرية في فلكه, قبل أن يظهر مجددا بعد رحيل باسم صبري ليعلن بداية شهر رجب الهجري ولتبدأ مرحلة جديدة من حياتنا ولكن دون شمس هذا الزمان.

تقول أحدى القواعد التي وضعها شمس التبريزي “لاتحاول أن تقاوم التغييرات التي تعترض سبيلك بل دع الحياة تعيش فيك, ولا تقلق إذا قلبت حياتك رأسا على عقب, فكيف يمكنك أن تعرف أن الجانب الذي اعتدت عليه افضل من الجانب الذي سيأتي؟؟.

Categories:   Uncategorized

Comments

Leave a Reply