Advertisements

بداية الحكاية – مذكرات بونتو عجوز

الليلة الماضية، قررت كعادتي في الأحد الأول من كل شهر أن أفاجئ كريم، لنحتفل سويا وحدنا في شوارع القاهرة المكتظة بالسيارات.

فجأة، أوقفت عمل محركي أثناء نزولي معه من كوبري أكتوبر، لننساب سويا منزلقين من اعلاه إلي أسفله في تناغم مع كل القوى الكونية، لنتخلل السيارات المتراصة في الزحام حتي وقفنا في منتصف الطريق امام المتحف المصري.

أرتجف قلبه خوفا من أن أرفض الحراك من موقعي ولكني أصيلة، لم أتوقف في ذلك المكان خاصة أن صديقه يرافقنا الرحلة، وكان لابد أن نحتفل وحدنا.

تظاهرت بالخضوع وسرت معه عبر شوارع وسط المدينة نحو نفق الأزهر ودخلنا سويا لأمنحه نشوة جديدة لم تعتريه من قبل، نشوة السقوط في ثقب أسود.

أوقفت محركي داخل النفق قبل أن نخرج منه ببضع ثواني، ولكنه راوغني واستغل ما بقي من طاقه حركة بداخلي للخروج منه بالرغم من توقف للمحرك تماما ولذلك كافئته بالسماح له بفرصة أخري لتزيد الإثارة متعة اللعبة.

يبدو أنني نجحت في جذب اهتمامه, وتحول ذهنه إلى خلية نحل للأفكار الشاردة, ظن أن “الدينامو” قد احترق, أطفأ أنوار السيارة والموسيقى الهادئة التي يسمعها وتزعجني .. وتحولت لصخرة سوداء تتحرك بين أضواء سيارات المدينة.

كررت المحاولات بضع مرات بأمتداد طريق صلاح سالم، فوق الكوبريين المتتاليين بعد الخروج من النفق قبل أن يساعدني الزحام لأوقع به قبل أن نصل إلي ستاد القاهرة.

ولكنه حاول المراوغة مجددا بالهروب من الزحام إلي الشوارع الجانبية، لأوقع به مجددا في شارع الطيران وورفضت أن يعمل المحرك مجددا لفترة ليعلم أن الهروب من مدعاباتي لن يجدي نفعا.

وأخيرا سرت معه لنتخلص من صديقه في شارع الثورة وتبدأ مرحلة أخرة من لهونا سويا…

وأثناء دورانه للأتجاه الأخر، توقفت في الدوران نفسه ليلهو معنا بعض سكان المدينة، الذين تجاوبوا معنا وصبوا حمم سبابهم علي كريم ودينه وإلهه وجدود جدوده، مما دفعه لمغازلتي بدفعي للأمام وكل المارة وقفوا ينظرون إليه نظرة كراهيه لا شفقة وتعاطف.

عمل المحرك مجددا وسرنا معا ودخلنا نفق الكوربة وكان جسدي يرتجف من وقع خفقان قلبه الخائف من أن أعيد الكَرَة مرة بعد مرة, وتركته يطمئن أني لن أتوقف…

ولكن ما فعله استثار غضبي وجعلني أتوقف في منتصف الطريق أثناء عبورنا إشارة المرور أمام كنيسة البازليك, لقد اتصل بصديق ليساعده في البحث عن طبيب نفسي يعالجني, ظنا منه أن ذلك سيهديء روعي وساستسلم لهما.

أرتفع صوت السباب حوله, وكله كان موجه له لا لي, وظللت أضحك بشده لدرجة الاهتزاز أثناء دفعه لي لنعبر الشارع.

ما أضحكني أكثر حتى القهقهة أن المارة ظلوا متفرجين ولم يتطوع أحدا لمساعدته طوال رحلتنا.

مرت علي دقائق وأنا أقهقه, عليه ساعات بعدما تحول إلى ينبوع غضب ممزوج بالعرق الخارج من جسده في تلك الليلة الحارة, وكأن العرق أيضا يرفض أن يسانده ويقف معه ضدي, فخرج أنهارا من بين مسام جلده.

أردت أن أقول له “أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب” ولكني تذكرت أني افرغت جيبه تماما من كل محتوياته خلال الشهرين الماضيين ولم يتبق معه إلا بضع عملات معدنية رفض “السايس” أن يأخذهم لأنه صاحب نفس أبية عزيزة لا يشحذ المال ولكن هذه مهنته أن لا يفعل أي شيء ويتقاضي المال من مُلاكِنا مقابل اللا عمل.

سار معي على أقدامه, يدفعني وأقاومه, واستمر الكر والفر بيننا حتى وصلنا إلى القهوة التي يرتادها عادة, تركني وذهب عابس الوجه …

لم تنتهي الحكاية, ولكنه تركني أبيت ليلتي وحيدة في شوارع مصر الجديدة ورحل .. يبدو أنني أغضبته !!

 

 

كريم فريد: صفحة من مذكرات بونتو عجوز 

Advertisements

Categories:   Uncategorized

Comments

Leave a Reply

%d bloggers like this: