Advertisements

ماذا حدث في فرانكفورت! قصة قصيرة

ماذا حدث في فرانكفورت!

كريم فريد

كانت رحلة العمل المفاجئة إلى تلك المدينة الخليجية رائعة بكل المقاييس. التهاب بأعصاب أسناني بالإضافة إلى حساسية لشيء ما أجهله تسببت في التهاب جلدي خاصة فروة وغرة رأسي ومجدداً اضطررت إلى تأجيل رحلتي إلى أوروبا لقضاء عطلتي السنوية التي طال انتظارها.

خلال يومي الأخير في المدينة وعندما حان وقت الرحيل أخيراً. بت أغنى باستمرار “Start spreading the news, I’m leaving today. I want to be part of it … Europe Europe”

هذا المقطع من أغنية New York لفرانك سيناترا صاحبني وصاحب أصدقائي مجبرين لمدة يوم كامل، كنت سعيدا متحمساً للغاية لزيارة مدن أوروبية جديدة وللقاء أصدقاء قدامى فرقتنا السبل وتناثرتنا الآمال في عواصم العالم والأهم من ذلك كنت متحمساً للتغيير… لكسر روتين حياتي اليومية على مدار شهور مضت وللهروب من حرارة ورطوبة الخليج العربي إلى أجواء أقل “دفئاً”.

How to prank an editorial team? 😂 Today's night I'm leaving to Europe ✈️✈️✈️

A post shared by Kareem Farid (@kareemfarid) on

كنت مشتاقاً للمشي في الشوارع، لشعور مفتقد بالحرية خارج المكعبات المكيفة، لاستنشاق هواء طبيعي غير محمل بالرطوبة ولم يخرج من أنابيب مكيف الهواء في مبنى.

لا أقوى على العيش في سجن أيا كان اسمه أو نوع جدرانه، سواء كانت جدرانه خرسانيه أو قضبان حديدية، يسمى بيتا أو أبو زعبل. سواء كانت جدرانه تبث مشاعر حب أو خوف ورهبة. سواء كان سجانه عسكري أو حبيبة أو صديق. وإن أصبح الحلم سجنا، سأهرب من أهم أحلامي لو أحسست أني سجينها.

يوم الجمعة ليلاً، حزمت أمتعتي وتوجهت إلى المطار الخطة كانت توقفاً قصيراً صباح السبت لمدة ساعة واحدة بمدينة فرانكفورت الألمانية لتغيير الطائرة ثم الطيران مجدداً نحو موطن كاتبي المفضل ميلان كونديرا. العاصمة التشيكية الجميلة براج.

عندما وطئت قدماي أرض الممر الواصل بين الطائرة ومطار فرانكفورت، وجدت ضابطا يطلب جواز سفري، بناء على تجارب سفري السابقة، أعلم تماما أنه إجراء روتيني. سلمته الجواز مبتسماً ومنتظراً أن يعيده إلي مجدداً لكي أكمل طريقي ورحلتي. ولكن انتظاري طال.

فجأة تحولت ملامح وجهي السعيدة إلى مصدومة ومرتابة عندما أشار الضابط لزملائه وطلبوا مني السير معهم في هدوء، سألت عن السبب، قالوا إجراء روتيني سيستغرق دقائق للتأكد من وثائق سفري. سرت معهم في هدوء والصدمة تتملكني.

تلاعبت بي رياح فرانكفورت قليلا عقب وصولي مباشرة. الآن أؤمن أن الرياح دائما ما تأت بما لا تشتهي السفن.

تذكرت كل ما عشته وعرفته خلال سنوات سابقة كنت فيهم مراسلاً صحفياً في منطقة صراع. مرت أمامي كل قصص الاعتقال التي عرفتها خلال السنوات السابقة. حاولت أن اقمع هواجسي محدثاً نفسي كلما زادت معرفتك، كلما تعاظمت مخاوفك.

أؤمن أن الصحفي ما هو إلا اسفنجة تمتص قصص ومشاعر وآلام البشر وتعيد تشكيلها لكلمات أو صور تحكي القصة للمئات. لسنوات سمعت عشرات القصص من بشر قست عليهم بلدانهم. أذتهم وآلمتهم. امتصت ذاكرتي كل القصص، احتفظت بهم وكأنهم خلاصة تجربتي الحياتية. كأني عشت كل منهم. حاولت بكل طاقتي أن أكون رسول أمين أحمل الرسالة إلى منابر مختلفة لتبقى القصص. ولكن لم أقوى على امتصاص المزيد. فهربت مثقل بما أحمل. كنت في شدة الخوف من أن تنتهي الرحلة وألا يعلم أحد مصيري إلا بعد حين. أخرجت هاتفي فتحت فيسبوك وكتبت أني قد اعتقلت في مطار فرانكفورت. ونشرت التدوينة تلقائياً على تويتر.

هنا أوقفني الضابط بلهجة حادة وطلب مني ألا استخدم تطبيق الرسائل النصية واتساب، رددت سريعاً وقلت له هذا فيسبوك لم افتح واتساب. هذا الطلب الغريب ذكرني بقصص اللاجئين السوريين، عن استخدامهم لواتساب في التواصل وأحياناً استخدام المتطوعين الأوروبيين لنفس التطبيق لمساعدة اللاجئين.

أعدت الهاتف إلى جيبي وسألت الضابط أثناء سيرنا “هل لسؤالك عن استخدام واتساب وتوقيفي له علاقة بقضايا اللاجئين؟”. لم يرد. سألت مجددا “ما سبب توقيفي؟” ردت شرطية أخرى “إجراء روتيني ستعلم كل شيء بعد قليل”.

توقف الوقت عن المضي قدما لفترة، لا أتذكر بالضبط المدة التي استغرقتها للوصول لغرفة الاحتجاز. ولكن أتذكر شعوري، أحسست أن عمراً قد مضى وأنا أسير بصحبة الضباط المتجهمين في وجهي، الضاحكين في وجوه بعضهم البعض عقب حديث بالألمانية لم أفهم منه شيئا إلا أنه استفزني.

وصلت غرفة الاحتجاز، لها بابان بكلاهما فتحة زجاجية صغيرة، الأول يصل بأحد ممرات المطار والأخر مُتصل بغرف المركز الأمني وثمة فاصل زجاجي بين غرفة الاحتجاز وغرفة ضباط الشرطة.

بعد دقائق فتح الضابط الغرفة مجدداً وطلب هاتفي ليحتفظ به. وهنا الشعرة التي كانت تمنحني إحساساً طفيفا بالأمان وقد انقطعت. وبدأ سيل من الهواجس باجتياح عقلي وزاد الغرفة بروداً.

عشت عمراً أركض من مدرعات ورصاص أحاول أن أنجو بحريتي وأكمل مهمتي الصحفية، و مرات كنت أركض من طائرات لا أراها تقصف بيوتا تسقط متهاوية أمامي وتخلف ضحايا أراهم ولا أرى قاتلهم. عشت عمراً أخاف السجن وأدعو “يا رب إن شئت دعني أًقتل ولا تًسلب حريتي وأنا حي”. أخاف من السجن أكثر مما أخاف من الموت. مع الموت سأعاني للحظات، في السجن سوف أحيا مقتولاً.

سيل بعد أخر من المخاوف والأحزان كان يجتاحني بين الحين والآخر. أعيش باستمرار تفاصيل كل الأحداث التي شهدتها قبل سنوات طويلة. مشاهد كثيرة من الماضي أراها واضحة جلية ونسيان سريع للأحداث الجارية وكأنها لم تجري. وكأنها جمل فقدت السياق فاصبحت مجتزئة بلا معنى.

لسنوات كانت حياتي ملؤها الخوف والإحساس بالذنب. توتر دائم وعدم الرغبة في القرب والارتباط بالبشر أو الجماد. هروب دائم. هروب من الارتباط بالأحبة أو وداعهم. عندما غادرت مصر للعمل في دولة أخرى، أصررت ألا يودعني أي من أهلى. حاولت أن أهرب من مشاعر الوداع. ولكن لم أستطع الهرب من الإحساس بالذنب.

عقب أعوام الكرب، كان الإحساس بالذنب هو دافعي الأول لكثير من قرارتي. إحساس بذنب لم ارتكبه خوفا من ذنب أخر ربما ينتج عن أفعال لست مسؤولا عنها على الإطلاق. أصبحت أسيرا مكبلا بذنوب وهمية لم يخلقها إلا خوفي من ارتكاب الذنوب.

ساعات مضت وأنا أتساءل ماذا فعلت؟ لم أفعل شيئا! خلال زيارتي الماضية لألمانيا، لم أفعل شيء سوى زيارة الأماكن السياحية. ربما أوقفوني بسبب عملي الصحفي السابق؟ لا اعتقد. هذه ألمانيا الديمقراطية ليست أي بلد أخر. ربما أحدهم دس مخدرات بشنطة ملابسي؟ ولكن بالتأكيد هناك كاميرا في مكان ما توثق هذا! لم أرتكب أي جرم. لم ارتكب أي خطأ. أنا مسالم بطبعي ولم أهاجم أو أعتدى على أي شخص! لماذا أنا محتجز! أريد أن أعرف الآن لماذا أنا محتجز. ما ذنبي؟!! لماذا لا يجيبني أحد؟ لو مصيري السجن، سأنتحر.

كان يفصلني عن غرفة الضباط حائط زجاجي، ظللت أحدق فيه لفترة طويلة منتظراً أي أمل يأتيني عبره. ولكن طال انتظاري دون جدوى ولم يظهر أي من الضباط ليعلمني سبب احتجازي فتوجهت للزجاج الفاصل وحاولت أن أعبره بصوت خافت مطالبا أحد الضباط أن يقترب لأتحدث معه.

استجمعت قواي الجسدية وحاولت مجدداً قمع هواجسي، فتح الضابط الباب، دخل ومر من أمامي وخرج من باب أخر كأني غير مرئي. ولكن كنت سعيد. لأن الباب الواصل بالمطار فتح من جديد. شعرت وكأن روحي ركضت هاربة من الغرفة.

٦ ضباط أو أكثر اصطحبوني سابقا من نقطة وصولي إلى غرفة احتجازي، أتذكر اثنان منهم فقط الأول تجاهلني، والثانية كانت أكثر ودا ولطفا وقابلية للإصغاء.

غرفة الاحتجاز بمطار فرانكفورت

ذهبت مجدداً إلى الفاصل الزجاجي، حاولت أن أجدها، وسعدت عندما رأيتها أمامي. طلبت من الشرطية أن أتحدث معها. كانت في غاية اللطف. حضرت على الفور وفتحت الباب. سألتها عن سبب احتجازي. حاولت طمأنتني وقالت إنه إجراء روتيني سيتم الكشف عن صحة جواز سفري وتأشيرة دخولي وبعدها سيتم إطلاق سراحي. حاولت أن أصدقها وطلبت كوباً من الماء. لا لشيء ولكن لتفتح الباب ولو قليلا. كنت أشعر بالراحة كلما انفتح أي باب. كنت متعلقا بأمنية واحدة. أن يفتح هذا الباب أو ذاك وأخرج منه.

بعد ما يقرب من نصف ساعة، توجهت للفاصل الزجاجي مجددا، وجدت شرطي. طلبت منه التحدث معه. فتح الباب مجدداً ودخل الغرفة. سألته عن سبب احتجازي. قال أن الشرطة تشتبه في ارتكابي جريمة فدرالية. تجهم وجهي وصمت للحظات وكنت أصرخ في داخلي من الفزع وتخيلت كل المآسي التي ربما سأواجهها في السجن.

حاولت الرد بهدوء ووضحت له أن ذلك غير صحيح، وأنني لم أرتكب أي جرم. ولم أجد كلمات أخرى قد تفيد فسكت، ثم سألته “ ماذا سيحدث لي الآن إذاً؟!” قال لي أني سأخضع للتحقيق بعد قليل وأنهم في انتظار وصول المترجم ليحضر معي التحقيق.

منذ عام أو أكثر أخيراً قررت أن يصاحبني وشم لما تبقى من العمر، كان الوشم رسماً لكلمة “حرية”. أردت أن تكون رفيقة دربي وأن أراها كل يوم لأتذكر ما أحبه وأريده. ليت ما سلب مني في فرانكفورت كان مادياً هينا. لقد سلبت “حريتي” .

وقفت بقرب الباب الواصل بالمطار، وعيني خارجه معلقة على شاب كان يسير. في هذه اللحظة كان السير دون هدف هو أقصى أحلامي.

 

 

Advertisements

Categories:   Uncategorized

Comments

Leave a Reply