كريم فريد : المتناثرون في الأرض لاجئين وفي السماء شهداء #GazaUnderAttack

المتناثرون في الأرض لاجئين وفي السماء شهداء   كريم فريد

المتناثرون في الأرض لاجئين وفي السماء شهداء  كريم فريد

الرصاص المصبوب وصولا إلى الجرف الصامد مرورا بـ عامود السحاب, ثلاث عمليات حربية شنها الإحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ عام 2008 خلفت خلفها مئات القتلى وآلاف المصابين وملايين اللحظات المؤلمة عاشها سكان القطاع المنكوب.

هل قدر لك من قبل أن تكون شاهد عيان علي حرب؟ إن لم يكن، أسمح لي أن أستعير ذهنك معي في جولة في شوارع غزة مرورا ببيوتها المهدمة وصولا إلي مشاعر قاطنيها وعيونهم.

غزة، مدينة سماؤها الشجن وبيوتها من معاناة ويسكنها رصاص الذكريات ومخلفات حرب بعد أخري, كل شارع فيها تسكنه قذيفة وكل نار نتجت عنها, لم تنطفئ حتى اليوم في ذاكرة الأحياء.

حالفني الحظ لأكون حاضرا للحظات الشجن الفلسطيني في حرب 2012, كنت متواجدا في غزة مع قافلة مصرية شعبية قوامها 600 مصري, قرروا أن يتحدوا الحصار وطائرات الإحتلال ويكونوا في مرمى صواريخها جنبا إلى جنب مع فلسطيني غزة.

شوارع خاوية, يسكنها أشباح لبشر اعتادوا ارتديادها والسير في طرقاتها, لا تسمع فيها إلا لأصوات طائرات استطلاع تابعة للإحتلال يسميها الفلسطينيين “الزنانة”, تمشط الشوارع من السماء وتقصف أي هدف تراه.

وجدران أكتظت بكلمات للمقاومة وصور الشهداء واسمائهم, هذا شهيد كتائب عز الدين القسام وذاك شهيد كتائب سرايا القدس وبين هذا وذاك صور لكل شهداء الفصائل الفلسطينية المختلفة اسما والمتفقة على مقاومة الإحتلال حتى تعود كل الأراضي المحتلة منذ عام 1948.

لا يخلو شارع في غزة من بيت غرق في دماء أصحابه, أو على الأقل تشققت جدرانه مما شهدته من عواصف الرعب التي عاشها أصحابه أثناء مراقبتهم لطائرات تسبح في السماء ولا تطولها أيديهم وترقبهم لصاروخ ضال ربما يكون الأخير الذي يرونه يسقط قبل أن تصعد أرواحهم لخالقها.

تتحول الأعين حجارة متراصة في النوافذ, تنظر إلى المجهول البعيد والشوارع الخالية من البشر وإلى الأدخنة المتصاعدة من كل أرجاء المدينة بعد قصف عنيف شنه المحتل.

ولا تمر الثواني دون أن تسمع سارينه الإسعاف, تخترق الهواء الراكد في الشارع معلنة عن سقوط فوج جديد من القتلى والجرحى حانت ساعة زفافه.

في مستشفى الشفاء, يتحول الأطباء إلى سكان خلية نحل تكمل مراسم الزفاف, يركضون من هنا إلى هناك يعملون منذ بداية العمليات الحربية إلى أن تتوقف وتصبح أقصى أمالهم أن يحظوا بدقائق انتظار لمصاب جديد, تغمض خلالها جفونهم للحظات قبل أن تستقبل مجددا أعينهم مشهد لجرح غائر أو مصاب حضر إلى المستشفى دون يده أو قدمه أو ربما شهيد فقد رأسه.

ولن تكون مفاجأة, عندما يغرق الطبيب في الظلام وبين يديه مريض يخضع لعملية جراحية, لأن غزة تعيش يومها غارقة في الظلام والحدث الإستثنائي أن يجد ساكنها غرفته مضاءة.

ولكن المعاناة والأسى يتحولان إلى فرحة تجتاح قلوب الفلسطينيين بمجرد سماع دوي صافرات الإنذار في تل أبيب ومجيء البشرى بين سطور الأخبار التي تؤكد هروب المستوطنين إلى الملاجئ بعد وصول قذائف المقاومة إلى سماء تل أبيب المحتلة.

في بيت حانون, وغزة وخان يونس وفي الضفة بجنين ونابلس والخليل, تهتز المنازل بفرحة ساكنيها بوصول قذيفة مقاومة إلى عسقلان وقساريا وأسدود ويافا.

ومن المعلوم, أن عدد نبضات القلب الفلسطيني تتناسب طرديا مع كل كم تقطعه صواريخ المقاومة في سماء الأراضي المحتلة.

ومن الأراضي المحتلة, يعلن النفير مع إنطلاق أول حجر من يد فلسطينية نحو سلاح جندي الإحتلال, وتبدأ المواجهات ولا تهدأ ولكنها تمتد من حاجز قلنديا إلى شعفاظ المحتلة وأم الفحم والخليل والناصرة وجنين ونابلس.

تتحول معها الطرق الممهدة للإحتلال إلى طرق وعرة, ترفع فيها حجارة الشباب المقاوم شعار لن تمروا وسنعود إلى حيفا ويافا وبئر السبع.

كل الحروب سواء للفلسطينيين, تختلف قليلا في التفاصيل ولكنها متشابهه في اطارها العام ومشاعرهم تجاهها, ولكنهم مروا بحرب واحدة مختلفة…

المصريين في غزة..

رغم مرور ما يقرب من العامين, لازالت ذكري ذهاب600 شاب مصري إلى غزة حاضرة, رغم كل الأحداث التي أعقبت تلك الزيارة ورغم تكثيف المحتل لغاراته الجوية أثناء تواجدنا في مستشفى الشفاء إلى جوار الجرحى والشهداء.

لازالت كلمات حب مصر التي تغنى بها كل فلسطيني قابلته أثناء القصف حاضرة, ومازالت غزة تتذكر هتفانا تحت سمائها.. “يا فلسطيني يا فلسطيني .. دمك دمي ودينك ديني”.

رغم القصف, خرج عشرات الفلسطينين من نوافذ منازلهم ليشيروا بعلامات النصر إلى الأخ العائد بعد 66 عاما من الغياب, مرحبين بـأناس جاؤوا ليشاركوهم الأرض التي تحوم حولها طائرات العدو.

وعشرات أخرين خاطروا بحياتهم وقدموا إلى مستشفى الشفاء ليشاركوننا ليلتنا المظلمة التي لم يكن يضيئها سوى الإنفجارت المتتالية ومصابيح سيارات الإسعاف.

حينها, لم أستطع تحديد شعوري, كان يجتاحني مزيج من الفرحة والفخر والألم والحزن, كان يبكيني الدم ويسعدني يد امتدت لي بالماء لاغتسل من تراب السفر, ربما تكون تلك اليد فقدت اليوم وولكني سأتذكرها لعشرات السنوات القادمة.

منذ اكثر من 66 عاما لم يتوقف الإجرام الإسرائيلي عن اجتياح كل ما هو فلسطيني ليتناثروا في الأرض لاجئين وفي السماء شهداء, 66 عاما يحاربون من اجل الأرض والعرض والتاريخ, يحاربون وحدهم بعدما تخلى عنهم العرب لكي يحافظوا على ما تبقى من ذكريات الأرض الحرة.

لم تهدئ ثورة بركان الغضب الفلسطيني, بالرغم من توالي الإخفاقات وتداعي العالم عليهم, تظل المقاومة ثابته صامدة في مواجهة محتل يزعجه صوت أنين المجروح.

 

كريم فريد المتناثرن في الأرض لاجئين وفي السماء شهداء مجلة 7 أيام
كريم فريد المتناثرن في الأرض لاجئين وفي السماء شهداء مجلة 7 أيام
Advertisements

كريم فريد: البعض تدهسه النكبة .. مرتين

مخيم اليرموك سوريا
مخيم اليرموك سوريا

 

“الهاتف المطلوب مغلق أو غير متاح”، رسالة مسجلة ترددت على أذني كثيرا بتكرار محاولة الوصول إليهم، لم اكن أرغب في أكثر من الأطمئنان علي السيدة التي أسرت وجداني بصدقهـا وبراءتها ولم تفارق كلماتها مخيلتي مذ أن التقينا قبل أكثر من عام.

أخر ماوصلني من أخبارها كان نبأ عودتها إلى مخيم اليرموك في سوريا لرغبتها أن تموت في أقرب مكان ممكن إلى أرضها بعدما افنت عمرها واثقة أن حلم العودة حقيقة لا هواجس.

منذ 66 عاما كانت تقف هناك أمام دارها أعلى التل وتنظر إلى الوادي الأخضر أسفله تتأمل الأشجار والمزارع، تحفر بعينيها تفاصيل القرية في ذاكرتها، تسير في الطرقات وبين الأشجار تقطف ما يحلو لها من الثمار لتأكله و تحتضن تراب قريتها بين راحتي يديها، تأبى أن تكون كالقش المتطاير فوق البيادر، ولكن الحبيب دائما مفارق.

قرية لوبيا - قضاء طبريا - فلسطين المحتلة
قرية لوبيا – قضاء طبريا – فلسطين المحتلة

علت النار الرؤوس وكأنها الشيب وكست الدماء خضرة السهول وتحول العمار إلى دمار وجرح صوت الرصاص أذان اعتادت على سماع أصوات عصافير وحيوانات وبشر لسانهم عربي، أقتربت ألسنة غريبة لا عربية ولا مألوفة، تصرخ ترهب تتوعد بالقتل والتنكيل .. لتكتب بداية الحكاية.

من حمل الفأس وأمسك برسن الفرس سنوات، لم يكن يعلم أنه سيضطر يوما لحمل السلاح بديلا عن سلة الغلال ليدافع عنها وعن أرض عاش عليها أجداد أجداده، وإن لم ينجح .. فسيفقدها للأبد.

ابنة العشر أعوام لم يكن لديها فسحة من الوقت لتبكي اخوتها الثلاثة ولا أبني عمها ولا خالاتها أو أي من شهداء القرية، كما لم يكن دفاعهم عن “لوبيا” كافيا لرد عصابات الهاجانا أو لإسقاط طائرات الصهاينة، كان الأهم أن تتدبر شئون من بقي من اسرتها وتسير معهم حتى يرسو ببر أمن لأيام حتى يحرر جيش الإنقاذ العربي فلسطين كما وعد، بين يوم وليلة كبرت .. عشرات الأعوام ومرت الأعوام ولم يتحقق الوعد.

أفعال مضارعة في بداية جمل لوصف واقع، استخدمتهم لترسم لي صورة عن ما اعتبره عقلي مضى وانتهي ولكن مازال عقلها يحيا فيه وبه.

أم أحمد الشهابي مرت الليالي والأيام عليها متشابهين، قاربت على الثمانين وعقلها متشبث بقلبها يحيا تفاصيل أعوامها العشر الاولى في هذا العالم، رحلت من قرية لوبيا بقضاء طبريا بعدما اغتصبت فلسطين ربيع العام الثامن والأربعين من القرن العشرين ميلاديا، من لوبيا إلى حدود سوريا ومنها إلى مخيم اليرموك لتحيا 62 عاما على أمل العودة.

ولكن النكبة رفضت أن تترك المنكوب هانئا بأحلامه للعودة، تجددت النكبة وعادت النار لتعلو الرؤوس وزاد الشيب وعاد الدمار لينتقم ممن دمر مئات المرات من قبل وكتب عليه اللجوء من ارض إلى أرض باحثا عن الأمان، متكئا على حلم العودة.

قامت ثورة سلمية في سوريا ولكنها سرعان ما تحولت بيد نظام الأسد وتنظيمات الجهاديين والمرتزقة إلى حرب أهلية، وراح ضحيتها الحلقة الأضعف على هذه الأرض، المدنيين الراغبين في الأمان فقط لا غير.

ربيع 2013، جمعني بها لقاء في مصر، قصت على ما رأته من ويل فقدان الأخوة في فلسطين 1948 وفقدان الأبناء والأحفاد في سوريا 2012، من وطن إلى مهجر ومنه إلى مهجر أخر، عاشت خلالهم معاناة اللجوء والبحث عن الأمان وضياع حقوق المواطنة.

خريطة رسمتها ام أحمد الشهابي حتى يعود أحفادها لفلسطين
خريطة رسمتها ام أحمد الشهابي حتى يعود أحفادها لفلسطين

حتى يتمكن أحفادها من العودة إلى الديار بفلسطين، رسمت لهم خريطة للأراضي المسلوبة بها مكان دارهم ودور أعمامهم وأقاربهم ومزارعهم وبيادرهم وحظائر مواشيهم، وحدثني ابنها عن عهدا قطعه على نفسه أن يحافظ على الخريطة وعلى مفتاح الدار.

شوكة غرست في قلبي مع كل صورة مرت أمامي عن المجاعة التي حدثت نتاج حصار قوات الأسد لمخيم اليرموك لأشهر، كنت أتمنى ان تكون قد غادرته قبل الحصار، ومع كل نبأ عن شهيد جديد في أوساط فلسطيني اليرموك كنت أتمنى أن تكون حية ترزق، ولكن هل من مرسال يحمل اخبارها ليطمئن قلبي؟

لم يبق سوى الحلم حلقة وصل أخيرة بيننا، أحمل حلمها واشارك غيري به، إلى لوبيا سنعود وعلى ضفاف طبريا ستجمعنا مجالس السمر، ويوما ما سأكون مراسلا حربيا على أرض فلسطين أشارك المقاتلين من أجل التحرير نضالهم، وسأكتب عن حرب التحرير وعن حلم أمنت به حفيدة الشهابي .. سنعود إلى فلسطين، سيعود الحق إلى صاحبه ولن يضيع.

 

 

 

كريم فريد: البعض تدهسه النكبة مرتين

أقرأ أيضا: رسالة إلى صديقي محمد الدرة

http://anaiveman.wordpress.com/2014/01/07/%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d9%81%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%b5%d8%af%d9%8a%d9%82%d9%8a-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a9/

نشر ببوابة يناير بتاريخ 17 مايو 2014

http://yanair.net/archives/52610